‎خرجت منها قبل 33 سنة وعدت إليها قبل 33 ساعة

عندما تعود لمكان خرجت منه قبل عشرات السنين سوف تشعر بإحساس غريب وسوف يعود لك شريط الذكريات بسرعة فائقة و هذا ماحدث لي عندما وضعت قدمي داخلاً ذلك المكان

ذلك المكان هو: مدرسة الحوطة الابتدائية بمحافظة الرس بمبناها الحالي ( القديم الجديد )
فقد خرجت منها في سن الطفولة ناجحاًً من الصف السادس والآن أعود إليها مرشداً طلابياً في سن متقدمة من العمر

شريط الذكريات رأيت من خلاله معظم حياتي الدراسية في هذه المدرسة منذ اليوم الأول وحتى تخرجي منها

فكيف أنسى اليوم الدراسي الأول لي (قبل 40سنة) كطالب مستجد عندما حملت ملفي وحقيبتي الفارغة وخرجت في الصباح الباكر من مقر سكني ( في أحد المزارع المجاورة ) وكنت أهرول طيلة الطريق خلف شقيقي الذي يكبرني سناً (صاحب المعرف: أبونادر في منتديات الرسxp )

وكيف أنسى سقوطي وبكائي عند وصولي باب المدرسة(من شدة التعب والرهبة) فسقط مني ملفي فشاهدني ذلك المستخدم ( رحمه الله ) وحمل ملفي عني وأمسك بيدي وأوصلني للطابور الصباحي مباشرة ( لم يكن هناك مايسمى بالأسبوع التمهيدي)

وكيف أنسى التغذية المدرسية المجانية التي بمجرد أن نسمع صوت المستخدم يبدأ بتوزيعها على الفصول إلا ونتطاير من الفرح والسرور ونغفل عن تلك الحصة الدراسية ففي كل يوم يتم توزيع نوع مختلف وصحي ( فالفرق كبير بينها وبين ماتقدمه المقاصف المدرسية في الوقت الحاضر )

وكيف أنسى اللباس الرياضي الذي يتم توزيعه بالمجان على الطلاب بدون مقاس أو لون محدد ( كلاً حسب حظه )

وكيف أنسى رحلتنا المدرسية إلى أحد شعاب دخنه وقد أمسك كل واحد منا بملعقته وصحنه الصغير والتي أحضرناها من منازلنا ومازلت أتذكر حصولي على جائزة سباق الجري في تلك الرحلة

وكيف أنسى مشاركاتي في تقديم حفلات المدرسة داخل المسرح الخشبي ومسابقة النفخ بالطحين داخل ذلك المسرح

وكيف أنسى الجانب العملي ومهارات الطلاب في حصص التربية الفنية والإبداع الفني في أعمال الصلصال وأعمال النسيج وغيرها

وكيف أنسى حصص التربية البدنية في الملعب الترابي والذي نرى غباره منذ اللحظة الأولى من بداية اللعب

وكيف أنسى الدرس العملي في مادة العلوم (درس مربى التفاح) والذي نقوم بإحضار محتوياته ثم نقوم بإعداده ثم نأكله سوياً

وكيف أنسى ذهابنا على الأقدام مئات الأمتار من مقر المدرسة حتى مقر الوحدة الصحية المدرسية داخل الرس لإجراء التطعيمات اللازمة

وكيف أنسى مشاركتنا في استقبال زيارة ولي العهد آنذاك ( الملك فهد رحمه الله) للرس أثناء زيارة الملك خالد (رحمه الله) لمنطقة القصيم ووقوفنا لعدة ساعات تحت أشعة الشمس أمام مبنى الشرطة وبعد مرور الموكب ركض الجميع خلفه لمسافة ليست بالقصيرة فوصلنا لمقر الحفل وقد شارف على الانتهاء

وكيف أنسى هيبة المعلم خارج وقت الدوام وفي أي مكان فبمجرد أن ترى أحد معلميك سوف تهرب بسرعة للمنزل أو تختفي عنه حتى ولو كنت متفوقاً وستخشى أن تتم مناقشتك صباح الغد
( في عصرنا الحاضر ماذا تتوقعون من الطالب لو رأى معلمه خارج المدرسة )

وكيف أنسى ذلك المعلم الذي غيّر مجرى حياتي بالصف السادس فله بعد الله الفضل الكبير وحيث كنت أنا الطالب الوحيد أسكن خارج الحي لذا كان (وبعد عصر كل يوم) يقوم بالمرور لمنزلي داخل الرس لنذهب سوياً إلى المدرسة مع حضور بقية زملائي ثم نتدارس بعض الكتيبات النافعة (فكان يقوم بتوضيح مايصعب علينا فهمه) ويحثنا على تطبيق ماينفعنا منها
وبعد انتهاء تلك الدروس النافعة قبيل المغرب يقوم بإعادتي للمنزل( لن أنساه مادمت حياً )

وكيف أنسى المعلمين الذين يتمتعون بأخلاق عالية وابتسامةٍ دائمة وإخلاصٍ عظيم فلا يمكن أن تمل دروسهم ويتمنى كل طالب منا لو يتم تمديد الحصة إلى أقصى وقت ممكن

وكيف أنسى ذلك المعلم الذي ألصق كنيةً أو لقباً في أكثر من طالب ولايهتم بنوعية الألفاظ البذيئة التي يطلقها على طلابه أو ذلك المعلم الذي يعاقب باللطم على الوجه أو يمسك بالأذن حتى تكاد أن تنقطع أو ذلك المعلم الذي لايعرف أن يعاقب إلا بالفلكة أو بضغط إصبعيك (بعد أن يضع القلم أو الطبشورة بين إصبعيك النحيلين) أو ذلك المعلم الذي يرغمك على الوقوف على قدم واحدة رافعاً كلتا يداك ووجهك باتجاه الجدار الخلفي للفصل أو ذلك المعلم الذي يرمي بالطبشورة بين عينيك ليجلب انتباهك أو ذلك المعلم الذي يقذف بدفترك أو كتابك خارج الفصل وتذهب لتحضره بعد أن يشبعك من التوبيخ الجارح دون أن يترك لك أي فرصة لتوضيح ظروفك أو ذلك المعلم الذي يقوم بعقاب جميع طلاب الفصل بسبب سوء سلوك طالب لم يتم التعرف عليه ( وغير ذلك من التصرفات السلبية )

لقد سامحت كل من علمني حرفاً في جميع المراحل ( الأحياء منهم والأموات ) فمهما كان فللمعلم حق الاحترام ومهما بدر منه أي خطأ فهو من قبيل الحماس الزائد فلا أظن أن أي مربي يحمل في قلبه حقداً على أي طالب وربما عبارة (لكم اللحم ولي العظم) هي التي ساعدت على ظهور تلك الممارسات السلبية ومع كل ذلك لا يمكن مقارنة مستوى الطلاب في ذلك الزمان بالزمن الحالي

وذكرت لكم هذه العينة من المعلمين كي أوصل رسالة للتربويين في عصرنا الحاضر (وبالمرحلة الابتدائية بشكل خاص) وأقول للجميع(على اختلاف مهنهم) إياكم أن تتوقعوا أن الطالب سوف ينسى تعاملكم معه حتى لو لم يبدي أي رد أو اهتمام فما أكثر الطلاب ذوي الظروف بأنواعها

وأوصي جميع زملائي التربويين (وكلامي ليس محصوراً على مدارس البنين فقط) أوصي الجميع بحسن التعامل مع كل طالب مهما كانت مرحلته الدراسية وضرورة احترامه والبعد عن المساس بكرامته فالجرح المعنوي لن يندمل مهما تقدمت السنين وربما لايسامحك كل طلابك وسترحل عن الدنيا وستبقى ذكراك التي صنعتها بنفسك ( فاترك ذكرى طيبة من بعدك ) واعلموا أن طلابنا في الوقت الحاضر لن يكونوا مثلكم في زمن دراستكم لذا لزاماً علينا أن نراعي الجيل الجديد الذي تشبّع من مؤثرات العصر الحديث فأنتم لاتواجهون ماصنعته تلك المؤثرات لوحدكم فأولياء الأمور يعانون مثلكم في محيط الأسرة (وعند تعاون وإخلاص الجميع ) سوف نحارب اليأس وحتماً سنجد طلاب متميزين تربوياً وتحصيلياً
وتعلمون جميعاً أن الأمانة ثقيلة والمسؤولية عظيمة على كل من يعمل في مجال التربية والتعليم وهو مرتع خصب لبذل الجهد والإخلاص فهنيئاً لمن اغتنم هذه الفرصة قبل أن يودّع العمل لأي سبب

الكلام يطول ويطول ويطول (وأخشى أن يمل القارئ الكريم) وماكتبته هو جزء يسير جداً من شريط الذكريات الذي ظهر لي بكامل تفاصيله حين عودتي لمدرسة الطفولة

ختاماً: أطلب من جميع زملائي أثناء دراستي (في المراحل الأربع) ومن زملائي بالعمل وطلابي في جميع المدارس التي عملت بها على اختلاف مهنتي (معلم – مدير – وكيل – مرشد ) أطلب من الجميع السماح والعفو ولاتحرموني من دعواتكم لي في حياتي وبعد مماتي

وأنت أيها القارئ الكريم أطلب منك مثل ذلك

2013/9/9

http://www.alrassxp.com/forum/t269602.html